ابن عربي

282

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

برؤية أهل النار ، يصعدون على ذلك السور ، فينغمسون في الرحمة ، فيطلعون على أهل النار ، فيجدون من لذة النجاة منها ما لا يجدونه من نعيم الجنة ، لأن الأمن الوارد على الخائف أعظم لذة عنده من الأمن المستصحب ، وينظر أهل النار إليهم بعد شمول الرحمة فيجدون من اللذة بما هم في النار ، ويحمدون اللّه تعالى حيث لم يكونوا في الجنة ، وذلك لما يقتضيه مزاجهم في تلك الحالة ، فلو دخلوا الجنة بذلك المزاح لأدركهم الألم ولتضرروا ، فالسور باطنه فيه الرحمة الخالصة ، وظاهره من قبله العذاب ، ولم يقل : الآلام ؛ آلام العذاب ، لعلمه بما يؤول إليه الأمر ، فأبان تعالى أن باطن هذا الموجود فيه الرحمة ، والظاهر منه لا يتصرف إلا بحكم الباطن ، فلا يكون أمر مؤلم في الظاهر إلا عن رحمة في الباطن ، فإن الحكم للباطن في الظاهر ، فما كان العذاب في ظاهر السور إلا عن قصد الرحمة به التي في باطن السور ، فليس الألم بشيء سوى عدم اللذة ونيل الغرض ، فما عند اللّه باب يفتح إلا أبواب الرحمة ، غير أنه ثمّ رحمة ظاهرة لا ألم فيها ، وثم رحمة باطنة يكون فيها ألم في الوقت لا غير ، ثم يظهر حكمها في المآل ، فالآلام عوارض واللذات ثوابت ، فالعالم مرحوم بالذات متألم بما يعرض له ، ولا بد من الكشف فتظهر رحمة باطن السور فتعم ، فهناك لا يبقى شقي إلا سعد ولا متألم إلا التذ ، ومن الناس من تكون لذته عين انتزاح ألمه ، وهو الأشقى ، وهو في نفسه في نعيم ، ما يرى أن أحدا أنعم منه ، كما قد كان يرى أنه لا أحد أشد عذابا منه ، وسبب ذلك شغل كل إنسان أو كل شيء بنفسه ، الإنسان يضرب ابنه أدبا ، ويؤلمه بذلك الضرب عقوبة لذنبه ، وهو يرحمه بباطنه ، فإذا وفّى الأمر حقه أظهر له ما في قلبه وباطنه من الرحمة به وشفقة الوالد على ولده ، جعلنا اللّه والسامعين من أهل الرحمة الخالصة التي لا ألم لها بمنّه - إشارة - أنت سر الأعراف ، سور باطنه الرحمة ، وهو ما عندك من الرحمة بنفسك ، حيث تسلك بها مسالك السعادة ، وظاهره من قبله العذاب ، حيث تظهر على ذلك من المجاهدات ما يكون أشد العذاب على النفوس . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 14 ] يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 )